الشيخ محمد رشيد رضا

457

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا محاباة لأحد وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ اي كونوا شهداء بالحق لوجه اللّه وامتثال امره واتباع شرعه ، الذي تنال به مرضاته ومثوبته ، ولو كانت الشهادة على أنفسكم ، بأن يثبت بها الحق عليكم - ومن أقر على نفسه بحق فقد شهد عليها لان الشهادة اظهار الحق - أو على والديكم وأقرب الناس إليكم كأولادكم وأخوتكم ، فإنه ليس من برّ الوالدين ولا من صلة رحم الأقربين أن يعانوا على ما ليس لهم بحق ، بالاعراض عن الشهادة عليهم ، اوليّها والتحريف فيها لأجلهم ، وانما البر والصلة في الحق والمعروف - والحق أحق ان يتبع - والذين يتعاونون على الظلم وهضم حقوق الناس يتعاون الناس على ظلمهم وهضم حقوقهم ، فتكون المحاباة في الشهادة من أسباب فشوّ الظلم والعدوان ، وذلك من المفاسد التي لا يأمن شرها أحد من الناس ، فالمحاباة في الشهادة مفسدة ضررها عام وإن كانت لمصلحة يريد المحابي بها نفع أهله أو الشفقة على فقير أو العصبية لغني ولذلك قال عز وجل إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما اي ان يكن المشهود عليه من الأقربين أو غيرهم غنيا أو فقيرا فاللّه أولى بهما ، وشرعه أحق ان يتبع فيهما ، فلا تحابوا الغني طمعا في بره ، ولا خوفا من شره ، ولا الفقير عطفا عليه ورحمة به ، فمرضاة الفقير ليست خيرا لكم ولا له من مرضاة اللّه تعالى ، ولا أنتم ارحم بالفقير وأعلم بمصلحته من ربه عز وجل ، ولولا انه تعالى يعلم أن العدل وإقامة الشهادة بالحق ، هي خير للشاهد والمشهود عليه ، سواء كان غنيا أو فقيرا لما شرع اللّه ذلك وأوجبه ، روى ابن جرير عن السدي في الآية قال نزلت في النبي ( ص ) اختصم اليه رجلان غني وفقير فكان حلفه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني فأبى اللّه الا ان يقوم بالقسط في الغني والفقير اه اي كان ميله القلبي موجها إلى الفقير لظنه أنه لا يتصدى لظلم الغني ، وهو وان ظن ذلك لا يحكم الا بالحق الذي تظهره البينة والحجة سواء أنزلت الآية في ذلك أم لا ، وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في هذه الآية أنه قال - ونعم ما قال - : هذا في الشهادة « تفسير النساء » / « 58 خامس » / « النساء ج 5 »